النويري

44

نهاية الأرب في فنون الأدب

العناء لا على الهوى ، وأودعت القلوب هيبة لم يشبها مقت ، وودّا لم يشبه كذب ، وعمّمت القوت ، ومنعت الفضول . وقيل : إن أنوشروان كان يوقّع في عهود الولاة : سس خيار الناس بالمحبّة ، وامزج للعامّة الرغبة بالرهبة . ولما قدم سعد العشيرة في مائة من أولاده على ملك حمير سأله عن صلاح الملك ؛ فقال : معدلة شائعة ، وهيبة وازعة ، ورعيّة طائعة ؛ ففي المعدلة حياة الإمام ، وفى الهيبة نفى للظَّلَّام وفى طاعة الرعية حسن التئام . وقال أبو معاذ للمتوكَّل : إذا كنتم للناس أهل سياسة فسوسوا كرام الناس بالرفق والبذل ، وسوسوا لئام الناس بالذّلّ يصلحوا على الذلّ ، إن الذلّ يصلح النّذل . وقال أنوشروان : الناس ثلاث طبقات ، تسوسهم [ 1 ] ثلاث سياسات ، طبقة هم خاصّة الأشراف ، تسوسهم باللين والعطف ، وطبقة هم خاصّة الأشرار ، تسوسهم بالغلظة والعنف ، وطبقة هم العامّة ، تسوسهم بالشدّة واللين . وقال معاوية بن أبي سفيان : إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطى ، [ ولا أضع [ 2 ] ] سوطى حيث يكفيني لساني ، ولو أن بيني وبين العامّة شعرة ما [ 3 ] ما انقطعت ؛ قيل له : وكيف ذلك ؟ قال : كنت إذا جذبوها أرخيتها وإذا أرخوها جذبتها . وقال المأمون : أسوس الملوك من ساس نفسه لرعيّته ، فأسقط مواقع حجّتها عنه وقطع مواقع حجّته عنها .

--> [ 1 ] في الأصل « يسوسهم » بالياء وكذلك بقية الأفعال في هذه الجملة ، وظاهر أن الخطاب هو الذي يستقيم معه اللفظ والمعنى . [ 2 ] زيادة عن العقد الفريد ( ج 1 ص 10 ) . [ 3 ] كذا في العقد الفريد ( ج 1 ص 10 ) وعيون الأخبار ( مجلد 1 ص 9 ) . والكثير في جواب « لم » المنفى بما عدم اقترانه باللام .